الشيخ محمد رشيد رضا
325
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
نعم ليس المراد هنا من نفي ضرها ونفعها أنها جمادات لا عمل لها فقط كما قيل وإن كانت الحجة على عبادة هذه الأصنام أظهر من الحجة على عبادة الثعابين والبقر والقرود - ولا يزال لها بقية في الهند - وعلى عبادة البشر التي هي أساس النصرانية الآرية التي وضعها الإمبراطور قسطنطين ، ومن اتبع سنن النصارى والهنود من جهلة المسلمين ، وانما المراد المقصود بالذات بيان بطلان الشرك بالألوهية وهو عبادة غير اللّه مهما يكن المعبود ، وبطلان الشرك بالربوبية وهو قسمان ادعاء وساطتهم في الخلق والتدبير ، واحتجاجهم عليه بشفاعتهم عند اللّه ، وهو كذب في التشريع الذي هو حق الرب وحده ولا يعلم إلا بوحيه . بيان الأول ان كل ما عبد ومن عبد من دون اللّه حتى الجن والملائكة لا يملكون لعابديهم النفع والضر بالقدرة الذاتية الغيبية التي هي فوق الأسباب التي منحها الخالق للمخلوقات على اختلاف أنواعها ، لا بذواتهم وكراماتهم ولا بتأثير خاص لهم عند الخالق يحملونه به على نفع من شاؤوا أو ضر من شاؤوا أو كشف الضر عنه ، كما يعتقد عباد الأنبياء والأولياء من البشر إلى هذا اليوم ، ولهذا أمر اللّه تعالى رسوله أن يحتج على النصارى في عبادتهم للمسيح عليه السّلام بقوله ( 5 : 76 قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) وهذه حجة على عبدة القبور وعلى أصحاب العمائم الذين يتأولون لهم عبادتهم بما يظنون أنه يبعدهم عن عباد الأصنام ، بقولهم إن هؤلاء الأولياء أحياء عند ربهم كالشهداء فهم يضرون وينفعون لا كالأصنام ، ولكن اللّه تعالى يقول للنصارى إن المسيح لا يملك لهم ضرا ولا نفعا بعبادتهم له على ما آتاه من المعجزات ، وإن هؤلاء الدجالين من الشيوخ يؤمنون بأن المسيح أفضل من البدوي والحسين والسيدة زينب وغيرهم ممن يزعمون أنهم يملكون الضر والنفع لمن يطلبه منهم ، وحياته لا تزال في اعتقادهم حياة عنصرية وحياتهم برزخية ، ومعجزاته قطعية وكراماتهم غير قطعية كذلك أمر اللّه تعالى رسوله خاتم النبيين وأفضلهم أن يخبر الناس بنفي ملكه لضر الناس ونفعهم وهو حي كما يأتي في الآية ( 49 ) من هذه السورة . وسبق مثلها في سورة الأعراف ( 7 : 188 )